أحمد ياسوف
208
دراسات فنيه في القرآن الكريم
بعمومها في جلاء الصورة الفنية فاتخذت بعض الصفات الحيوانية ، لتجسد أعمالا شنيعة للكفار والمنافقين ، فكان وجود الحيوان يضيف معاني السقوط والدناءة لاتصافه بالطبع الغرزي ، في حين استخدم الجماد للجمود العقلي والوجداني ، وعلى سبيل المثال يفاد من الكلب اللهاث ليكون جزئية جمالية تجسم موقف الكافرين ، قال تعالى : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [ الأعراف : 176 ] وذلك لحرارة جوفة ولكونه لا يمتلك غددا مكيفة للحرارة ، ودل على عدم جدوى أية علاقة وتعامل مع الكفار ، ويفاد من الحجر القساوة للدلالة على التعنت ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة : 74 ] وهكذا تجاوز التعبير قساوة الحجر لإطلاق قساوة الكفر . أما النبات فقد بدا في الصورة القرآنية ناميا لدى استخدامه في ذكر المؤمنين كما في الآية الكريمة ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [ الفتح : 29 ] وتراه فاقدا للحياة أقرب إلى الجماد لدى استخدامه في تصوير الكفار كما في الآية فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [ الفيل : 5 ] فقطع عن الجمال والنفع . والجدير بالذكر أن القرآن لفت النظر إلى التأمل في موجودات الكون والتمتع بخيراتها والانتفاع بها والتلذذ بجمالها ، وهذا الأخير بمنزلة درس جمالي يقدم موضوعات جديدة كان على الشعر العربي أن ينهض بها ويوسع رؤيته ، لكن هذا تأخر كثيرا حتى عصر شعراء الأندلس . وفي الحديث النبوي نجد الطبيعة وفق منهج القرآن مخلوقا مسخرا إلى جانب وضوح الأواصر الجيدة بين الإنسان والطبيعة ، ولا شك أن هذه النظرة قد تربت على المنهج القرآني ، فانبثق عنها النهي الشديد في السنة عن الاستهتار بالطبيعة ناهيك عن إفنائها بأي وسيلة .